السبت، يناير 09، 2010

جفاف الحلق ومرارة اللسان .... غريب عسقلاني

غريب عسقلاني وجفاف الحلق

بقلم : أحمد فضل شبلول

رواية فلسطينية جديدة عن نكبة 1948، وما بعدها، يضيفها الكاتب الروائي المبدع غريب عسقلاني (إبراهيم الزنط) إلى ديوان الأدب الفلسطيني والأدب العربي، الذي يتغنى بالمكان والفلكلور، والثقافة الشعبية، فضلا عن جماليات الإنثربولوجيا، التي تناثرت على ألسنة شخصيات الرواية، الأقرب إلى السيرة الذاتية التي يرويها الطفل غريب العسقلاني، الشاهد على الأحداث والأزمنة والتحولات الكبرى للشعب الفلسطيني في قطاع غزة المحتل، بعد عام النكبة وخلال سنوات الخمسينيات، حيث ارتبط هذا القطاع بالدولة المصرية، ارتباطا وثيقا، وعاش أحداثها، وتحولاتها على مستوى البنية الاجتماعية والسياسية والعسكرية، وخاصة في عام 1956 حيث قيام الحرب وسقوط غزة وذهول الأب الذي عاد من مصر قبل أسبوع، متحدثا بإعجاب وتقديس عن جمال عبد الناصر والجيش المصري حول القناة وفي سيناء.
تكثيف شديد، وتلخيص مستقطر، لحياة بعض العائلات الفلسطينية في غزة، منذ أن كان أفرادها يستخدمون الأنوال في نسج الملابس والسراويل وتطريز المناديل وذيول الأثواب بالعصافير والنخيل، من خلال الورش الموجودة في ساحات البيوت، وحتى إنشاء مصانع الغزل والنسيج، لتحل بديلا عصريا للنول المنزلي والنسيج اليدوي بعد موت النبي شيت رسول الغزل والنسيج في الأسطورة الفلسطينية أو الغزَّاوية، وما صاحب ذلك من تغير في العادات والتقاليد، ويرفد كل ذلك حضور قوي للجدات والأجداد الذين يعيشون مع الأبناء والأحفاد في دار واحدة، وتأثير الزمن ثم الاستعمار على الجميع.
وفي الوقت نفسه يعاصر الطفل غريب بداية النكبة وخيوط الأزمة مع العدو الإسرائيلي، وانتحار الجمل الذي مضغت عربات المقطورة لحمه الذي كان حيا، فيقدم لنا لوحات مؤثرة من اقتلاع الأرض والوطن، ضمن طقوس الحرب والاعتداء والاحتلال والاغتصاب، لذا فإنه يطلق على روايته ـ الصادرة عن بيت الشعر بالمركز الثقافي الفلسطيني (164صفحة) ـ ضمن عنوان داخلي "جفاف الحلق ومرارة اللسان ـ رواية النكبة"، ليقدم عنوانا أكثر شرحا، وأوسع دلالة، من العنوان المكتوب على الغلاف الخارجي "جفاف الحلق" فقط.
عشرات الحكايات الداخلية، التي تتكامل مع بعضها البعض، لتقدم لنا مشاهد إنسانية غنية بالتفاصيل وحريصة على التمسك بأهداب الحياة والذوبان فيها، شاهدها واستمع إليها الطفل غريب، الذي يتنقل بقارئه، من حكايا الحب، والكراهية، والبطولة، والفداء، إلى طقوس الزواج والطلاق والدفن، والتجارة والشطارة .. وغيرها. إنها حكايا البشر ذات الخصوصية التي أضفتها تلك البقعة من العالم، لذا تجئ الأغاني والأمثال الشعبية وحكايا الجدات والأمهات، لتعطي بُعدا جماليا وأسطوريا لهذا المكان المتميز.
وفي كثير من الأحيان تكون اللهجة الفلسطينية أو اللهجة الغزَّاوية، هي المسيطرة على الموقف الحواري، أو السردي، الأمر الذي يلزمه التدقيق في القراءة، واستخدام الحدس للوصول إلى المعنى المراد. وأحيانا أخرى يضع المؤلف، كلمة شارحة بين قوسين، لتقريب المعنى الذي يريده من وراء الكلمة الفلسطينية أو الغزَّاوية، ظنا منه أن القارئ العربي ربما لا يعرف المعنى أو ما وراء الكلمة.
إن ما يحسب للرواية إبراز موضوع الاحتلال والمقاومة ضمن السياق العام للسرد الإنساني بتقنياته الفنية البارعة، ومن ثم خفَّت حدة الصراخ والمباشرة، على الرغم من تلك الليلة السوداء التي دك فيها اليهود بعض الأحياء في مدينة غزة، وكان من نصيب مدرسة غريب، قذيفة أصابت الجدار الشرقي، وطيرت قرميد السقف، وكسرت بعض البنوك، فوزع تلاميذ فصله على فصول أخرى، فأحس الطفل بمحنة أن يكون لاجئا على فصول مضيفة. وهو ما يرمز إلى محنة أكبر بعد ذلك.
ومن هنا تمر على ذاكرة القارئ والكاتب معا، تلك الليالي المشئومة، مع ليالي ختان الطفل، وما صاحبها من طقوس وعادات وتقاليد تختفي رويدا رويدا، وتنسحب من حياتنا.
إن الطفل غريب لم يغسل قدمه في بحر عسقلان، ولم يرضع رضاعة طبيعية من ثدي أمه المذعورة، بسبب تحركات الأعداء، ودبيب النمل في زمن الحرب، لذا فإن جفاف حلقه ومرارة لسانه يصبحان جفافا ومرارة أبديتين، على الرغم من قطار الرحمة القادم من مصر.







.
 
Free Hit Counter Search Engine Submission - AddMe